المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبد الله بن عمر رضى الله عنه


goldenboy
09-03-2007, 06:35 PM
عبد الله بن عمر رضي الله عنه
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
تحدث وهو على قمة عمره الطويل فقال :
"لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم....فما نكث وما بدلت إلى يومي هذا.....وما بايعت صاحب فتنة .....ولا أيقظت مؤمنا من مرقده "...
وفي هذه الكلمات تلخيص وثيق لحياة الرجل الصالح الذي عاش فوق الثمانين , والذي بدأت علاقته بالإسلام وبالرسول ,وهو في الثالثة عشرة من عمره ,حين صحب أباه إلى غزوة بدر,راجيا إن يكون له بين المجاهدين مكان ,لولا إن رده الرسول عليه السلام لصغر سنه..ز
ومن ذلك اليوم ..بل وقبل ذلك اليوم حين صحب أباه في هجرته إلى المدينة...بدأت صلة الغلام ذي الرجولة المبكرة بالرسول عليه السلام وبالإسلام ...
ومن ذلك اليوم إلى اليوم الذي يلقى فيه ربه ,بالغا من العمر خمسة وثمانين عاما ,سنجد فيه حيثما نلقاه ,المثابر الأواب الذي لاينحرف عن نهجه قيد شعرة ,ولا يند عن بيعة بايعها ,ولايخيس بعهد أعطاه....
وان المزايا التي تأخذ الإبصار إلى "عبد الله بن عمر "لكثيرة .
فعلمه ,وتواضعه ,واستقامة ضميره ونهجه ,وجوده ,وورعه ,ومثابرة على العبادة وصدق استمسكه بالقدوة....
كل هذه الفضائل والخصال ,صاغ ابن عمر منها ,وبها ,شخصيته الفذة ,وحياته الطاهرة الصادقة....

لقد تعلم من أبيه "عمر بن الخطاب " خيرا كثيرا...........وتعلم مع أبيه من "رسول الله"الخير كله, والعظمة كلها...........
لقد أحسن كأبيه الإيمان بالله ,وبرسوله ...ومن ثم, كانت متابعته خطى الرسول أمرا يبهر الألباب.......
فهو ينظر ,ماذا كان الرسول يفعل في كل أمر ,فبحاكيه في دقة وإخبات .........
هنا مثلا, كان الرسول علية الصلاة والسلام يصلي.....فيصلي ابن عمر في ذات المكان ..هنا ,كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو قائما,فيدعو ابن عمر قائما..وهنا كان الرسول يدعو جالسا,فيدعو عبد الله جالسا...وهنا, وعلى هذا الطريق نزل الرسول يوما من فوق ظهر ناقته, وصلى ركعتين, فيصنع ابن عمر ذلك إذا جمعه سفر بنفس البقعة والمكان....بل انه ليذكر أن ناقة الرسول دارت ب دورتي في هذا المكان بمكة ,قبل أن ينزل الرسول من فوق ظهرها ,ويصلي ركعتين ,قد تكون الناقة فعلت ذلك تلقائيا لتهيئ لنفسها مناخها .لكن عبد الله بن عمر لايكاد يبلغ هذا المكان يوما حتى يدور بناقته ثم ينخها ,ثم يصلي ركعتين لله ....تماما كما رأى المشهد من قبل مع رسول الله..!!!
ولقد أثار فرط إتباعه هذا, أم المؤمنين "عائشة"رضي الله عنها فقالت:"ما كان احد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله, كما كان يتبعه ابن عمر.." ولقد قضى عمره الطويل المبارك على هذا الولاء الوثيق , حتى لقد جاء على المسلمين زمان كان صالحهم يدعو ويقول :"اللهم ابق عبد الله بن عمر ما أبقيتني ,كي اقتدي به ,فاني لا اعلم أحدا على الأمر الأول غيره "..
وبقوة هذا التحري الشديد الوثيق لخطى الرسول وسنته, كان ابن عمر يتهيب الحديث عن رسول الله, ولا يروي عنه عليه السلام حديثا إلا إذا كان ذاكرا كل حروفه.حرفا..حرفا .
وقد قال معاصروه:"لم يكن من أصحاب رسول الله احد اشد حذرا من إلا يزيد في حديث الرسول أو ينقص.. منه, من عبد الله بن عمر"..!! وكذلك كان شديد الحذروالتحوط في الفتيا ........جاءه يوما سائل يستفتيه, فلما القي على ابن عمر سؤاله, أجابه قائلا:"لا علم لي بما تسال عنه".. وذهب الرجل إلى سبيله ..ولا يكاد يبتعد عن ابن عمر خطوات حتى يفرك ابن عمر كفيه جذلان فرحا ويقول لنفسه:"سئل ابن عمر عما لا يعلم, فقال لا اعلم "..! كان يخاف إن يجتهد في فتياه ,فيخطئ في اجتهاده , وعلى الرغم من انه يحيا وفق تعاليم دين عظيم , يجعل للمخطئ أجرا , وللمصيب اجرين , فان ورعه كان يسلبه الجسارة على الفتيا..وكذلك كان ينأى به عن مناصب القضاة ...لقد كانت وظيفة القضاء من ارفع مناصب الدولة والمجتمع, وكانت تضمن لشاغلها ثراء, وجاها, وجدا...ولكن ماحاجة ابن عمر الورع للثراء , وللجاه ,وللمجد ؟! دعاه يوما الخليفة"عثمان "رضي الله عنهما, وطلب إليه أن يشغل منصب القضاء, فاعتذر..ألح عليه عثمان , فثابر على اعتذاره ..............وسأله عثمان:أتعصيني ؟؟فأجاب ابن عمر:"كلا ....ولكن بلغني أن القضاء ثلاثة.........قاض يقضي بجهل, فهو في النار....وقاض يقضي بهوى.فهو في النار ....وقاض يجتهد ويصيب , فهو كفاف ,ولا وزر ,ولا اجر .واني لسائلك بالله أن تعفيني".....
وأعفاه عثمان ,بعد إن اخذ عليه العهد الايخبر بهذا أحدا .ذلك إن عثمان يعلم مكانة ابن عمر في أفئدة الناس ,وانه ليخشى إذا عرف الاتقياءالصالحون عزوفه عن القضاء إن يتابعوه وينهجوا نهجه وعند ئذ لايجد الخليفة تقيا يعمل قاضيا ..
وقد يبدو هذا الموقف لعبد الله بن عمر سمة من سمات السلبية. بيد انه ليس كذلك.فعبد الله بن عمر لم يمتنع عن القضاء وليسسواه.من يصلح له سواه ....بل هناك كثيرون من أصحاب الرسول الورعين الصالحين , وكان بعضهم يشتغل بالقضاء والفتيا بالفعل ...
ولم يكن في تخلي ابن عمر عنه تعطيل لوظيفة القضاء ولا إلقاء بها أيدي الذين لايصلحون لها .......ومن ثم فقد اثر البقاء مع نفسه, ينميها ويزكيها بالمزيد من الطاعة, والمزيد من العبادة...كما انه في ذلك الحين من حياة الإسلام, كانت الدنيا قد فتحت على المسلمين وفاضت الأموال, وكثرت المناصب والإمارات................................
وشرع إغراء المال والمناصب يقترب من بعض القلوب المؤمنة, مما جعل بعض أصحاب الرسول, ومنهم ابن عمر, يرفعون راية المقاومة لهذا الإغراء باتخاذهم من أنفسهم قدوة ومثلا في الزهد والورع وفي العزوف عن المناصب الكبيرة, وقهر فتنتها وإغرائها...لقد كان "ابن عمر "أخا الليل, يقومه مصليا..........وصديق السحر يقطعه مستغفرا وباكيا....ولقد رأى ي شبابه رؤيا, فسرها الرسول تفسيرا جعل قيام الليل منتهى آمال عبد الله, ومناط غبطته وحبوره....ولنصغ إليه يحدثنا بنفسه عن نبا رؤياه :"رأيت على عهد رسول الله صلى الله وسلم كان بيدي قطعة إستبرق ,وكأنني لا أريد مكانا من الجنة الاطارت بي إليه .....ورأيت كان اثنين إتياني,وأرادا بي إلى النار ,فتلقاهما ملك فقال :لاترع ,فخليا عني ..فقصت حفصة –أختي –على النبي صلى الله عليه وسلم رؤياي ,فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"نعم الرجل عبد الله,لو كان يصلي من الليل فيكثر "........ومن ذلك اليوم إلى أن لقي ربه, لم يدع قيام الليل في حله, ولا في ترحاله........فكان يصلي ويتلو القران,ويذكر ربه كثيرا .وكان كأبيه, تهطل دموعه حين يسمع آيات النذير في القران....فجعل ابند بن عمير ":قرأت يوما على عبد الله بن عمر هذه الآية فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا *يوميذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوي بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ).....فجعل ابن عمر يبكي حتى نديت لحيته من دموعه.........وجلس يوما بين إخوانه ,فقرا):ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون *وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون *الايظن أولئك أنهم مبعوثون *ليوم عظيم *يوم يقوم الناس لرب العالمين )...
ثم مضى يردد الآيةيوم يقوم الناس لرب العالمين )...ودموعه تسيل كالمطر ...حتى وقع من كثرة وجده وبكائه ..!!!ولقد كان جوده, وزهده, وورعه, تعمل معا فيفن عظيم, لتشكل أروع فضائل هذا الإنسان العظيم..فهو يعطى الكثير ,لأنه جواد ويطعي الحلال الطيب ,لأنه ورع ..ولا يبالي إن يتركه الجود فقيرا, لأنه زاهد...!! وكان "ابن عمر " رضي الله عنه, من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة, إذ كان تاجرا أمينا ناجحا شطر حياته..وكان راتبه من بيت المال وفيرا..ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قط ,إنما كان يرسله غدقا على الفقراء ,والمساكين ,والسائلين ..
يحدثنا "أيوب بن وائل الراسبي "عن واحدة من مكرماته ,فيخبرنا إن ابن عمر جاءه يوما أربعة آلاف درهم ,وقطيفة ....وفي اليوم التالي ,رآه "أيوب بن وائل "في السوق يشتري لراحلته علفا نسيئه –دينا ..فذهب "ابن وائل "إلى أهل بيته وسألهم:أليس قد أتى لأبي عبد الرحمن –يني ابن عمر –بالأمس أربعة آلاف, وقطيفة.؟؟قالوا بلى ..قال :فاني رايته اليوم بالسوق يشتري علفا لراحلته ولا يجد معه ثمنه ..قالوا:انه لم يبت بالأمس حتى فرقها جميعا, ثم اخذ القطيفة وألقاها على ظهره, وخرج..ثم عاد وليست معه ,فسألناه عنها ,فقال :انه وهبها لفقير ..!! فخرج "ابن وائل "ويضرب كفا بكف,حتى السوق فتوقل مكانا عاليا ,وصاح في الناس "يامعشر التجار ...ماتصنعون بالدنيا ,وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم فيوزعها ,ثم يصبح فيستدين علفا لراحلته "....؟؟؟!!!ألا إن من كان "محمد "أستاذه..."وعمر"أباه لعظيم, وكفء لكل عظيم..!! إن جود عبد الله بن عمر, وزهده, وورعه, هذه الخصال الثلاثة, كانت تحكي لدى عبد الله صدق القدوة..وصدق البنوة....فما كان لمن يمعن في التأسي برسول الله, حتى انه ليقف بناقته حيث رأى الرسول يوما يقف بناقته, ويقول:لعل خفا يقع على خف "..!والذي يذهب في بر أبيه وتوقيره والإعجاب
به إلى المدى الذي كانت شخصيته عمر تفرضه على الأعداء, فضلا عن الأقرباء, فضلا عن الأبناء...أقول:ما كان ينبغي لمن ينتمي لهذا الرسول, ولهذا الوالد أن يصبح للمال عبدا..ولقد كانت الأموال تأتيه وافرة كثيرة...ولكنها تمر به مرورا...وتعبر داره عبورا ...ولم يكن جوده سبيلا إلى الزهو ,ولا إلى حسن الاحدوثه,ومن ثم ,فقد كان يخص به المحتاجين والفقراء ..وقلما كان يأكل طعاما وحده..فلا بد إن يكون معه إن يكون معه أيتام, وفقراء...وطالما كان يعاتب بعض أبنائه ,حين يولمون للأغنياء ولا يأتون بالفقراء ,ويقول لهم :"تدعون الشباع ,وتدعون الجياع ".......ّ!
وعرف الفقراء عطفه, وذاقوا حلاوة بره وحنانه, فكانوا يجلسون في طريقه, كي بصحبهم إلى داره حين يراهم..وكانوا يحفون به كما تحف أفواج النحل بالا زهير ترتشف منها الرحيق .!!لقد كان المال بين يديه خادما لاسيدا ..وكان وسيلة لضرورات العيش ,لا للترف ..ولم يكن ماله وحده ,بل كان للفقراء فيه حق معلوم ,بل حق متكافئ لايتميز فيه بنصيب ..ولقد أعانه على هذا الجواد الواسع زهده .فما كان "ابن عمر "يتهالك على الدنيا, ولا يسعى إليها, بل ولا يرجو منها إلا ما يستر الجسد من لباس, ويقيم الأود من الطعام..أهداه احد أخونه القادمين من خراسان ن حلة ناعمة انيقه ,وقال له :-لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان ,وانه لتقر عيناي , إذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه ,وترتدي هذا الثوب الجميل ..قال له ابن عمر "ارنيه إذن .ثم لمسه وقال:أحرير هذا...؟؟ قال صاحبه :لا ....انه قطن.وتملا ه عبد الله قليلا, ثم دفعه بيمينه وهو يقول:"لا..إني أخاف على نفسي ..أخاف إن يجعلني مختالا فخورا...والله لايحب كل مختال فخور "..!!! وأهداه يوما صديق وعاء مملوءا..وسأله ابن عمر :ماهذا ..؟قال:هذا دواء عظيم جئتك به من العراق..قال ابن عمر:وماذا يطيب هذا الدواء..؟؟قال :يهضم الطعام ..فابتسم ابن عمر وقال لصاحبه :"يهضم الطعام ..؟؟إني لم اشبع من طعام قط منذ أربعين عاما "..!! أن هذا الذي لم يشبع من طعام منذ أربعين عاما, لم يكن يترك الشبع خصاصة..بل زهدا وورعا ,ومحاولة للتأسي برسوله وأبيه .. كان يخاف أن يقال له يوما القيامة :"أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا ,واستمتعتم بها ". وكان يدرك انه في الدنيا ضيف أو عابر سبيل..ولقد تحدث عن نفسه فقال:"ما وضعت لبنة على لبنة, ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ". ويقول ميمون ابن مهران:"دخلت على ابن عمر, فقومت كل شيء في بيته من فراش, ولحاف, وبساط..ومن كل شيء فيه, فما وجدته يساوي مائة درهم "...!!! ولم يكن ذلك عن فثريا.قد كان ابن عمر ثريا, فيرفعكان ذلك عن بخل ..فقد كان جوادا سخيا ..وإنما كان عن زهد في الدنيا ,وازدراء للترف ,والتزام لمنهجه في الصدق والورع ...ولقد عمّر ابن عمر طويلا, وعاش في العصر الأموي الذي فاضت فيه الأموال وانتشرت الضياع, وغطى البذخ أكثر الدور..بل قل أكثر القصور ..ومع هذا ,بقي ذلك الطود الجليل شامخا ثابتا ,لايبرح نهجه ولا يتخلى عن ورعه وزهده .وإذا ذكر بحظوظ الدنيا ومتاعها التي يهرب منها قال :"لقد اجتمعت وأصحابي على أمر ,واني أخاف أن خالفتهم ألا الحق بهم ...ثم يعلّم الآخرين انه لم يترك دنياهم عجزا,فيرفع يديه إلى السماء ويقول :"اللهم انك تعلم انه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشا في هذه الدنيا "...اجل ..لولا مخافة ربه لزاحم في هذه الدنيا , ولكان من الظافرين ....بل انه لم يكن بحاجة إلى أن يزاحم ,فقد كانت الدنيا تسعى إليه وتطارده بطيباتها ومغريتها ..........وهل هناك كمنصب الخلافة إغراء .....؟؟ لقد عرض على "ابن عمر "مرات وهو يعرض عنه.....وهدد بالقتل أن لم يقبل ,فازداد له رفضا ,وعنه إعراضا .!! يقول الحسن رضي الله عنه:"لما قتل عثمان بن عفان, لقد قالوا لعبد الله بن عمر:انك سيد الناس, فاخرج نبايع لك الناس.........قال :إني والله لئن استطعت ,لايهراق بسببي محجمة من دم ....قالوا :لتخرجن ,لنقتلنك على فراشك ....فأعاد عليهم قوله الأول ......فأطمعوه ى.....وخوفوه .....فما استقبلوا منه شيئا "..!! وفيما بعد ..وبينما كان الزمان يمر ,والفتن تكثر ,وكان ابن عمر دوما وهو الأمل ,فيلح الناس عليه ,كي يقبل منصب الخلافة ,ويبحثوا له بالبيعة ,ولكنه كان دائما يأبى ... ولقد يشكل هذا الرفض مأخذا يوجه إلى ابن عمر..بيد انه كان له منطقه وحجته ...فبعد مقتل عثمان رضي الله عنه ,ساءت الأمور وتفاقمت على نحو ينذر بالسوء وبالخطر ... وابن عمر ,وان يك زاهدا في جاه الخلافة ,فانه يتقبل مسؤولياتها ويحمل أخطارها ,ولكن شريطة أن يختاره جميع المسلمين طائعين ,مختارين ,إما أن يحمل واحد لأغير على بيعته بالسيف ,فهذا ما يرفضه ويرفض الخلافة معه ....وآنئذ ,لم يكن ذلك ممكنا ,فعلى الرغم من فضله ,وإجماع المسلمين على حبه وتوقيره ,فان اتساع الأمصار ,وتنائيها ,والخلافات التي احتدمت بين المسلمين ,وجعلتهم شيعا تتنابذ بالحروب ,وتنادى للسيف ,لم يجعل الجو مهيأ لهذا الإجماع الذي يشترطه عبد الله ابن عمر ... لقيه رجل يوما فقال له:ما احد شر لأمة محمد منك..!قال ابن عمر :ولم ..؟فو الله ما سفكت دماءهم, ولا فرقت جماعتهم, ولا شققت عصاهم..قال الرجل :انك لو شئت ما اختلف فيك اثنان ....قال ابن عمر:ما أحب أنها أتتني, ورجل يقول:لا, وآخر يقول:نعم.وحتى بعد أن سارت الأحداث شوطا طويلا, واستقر الأمر لمعاوية..ثم لابنه يزيد من بعده ...ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاهدا فيها بعد أيام من توليها...حتى في ذلك اليوم ,وابن عمر شيخ مسن كبير ,كان لايزال أمل الناس وأمل الخلافة ..فقد ذهب مروان وقال له :-هلم يدك نبايع لك ,فانك سيد العرب وابن سيدها ...قال ابن عمر كيف نصنع بأهل المشرق...؟قال مروان :نضربهم حتى يبايعوا ....قال ابن عمر "والله ما أحب أنها تكون لي سبعين عاما, ويقتل بسبي رجل واحد "...!!!!
فانصرف عنه مروان وهو ينشد :
إني أرى فتنة تغلي مراجلها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
يعنى بابي ليلى, معاوية بن يزيد....هذا الرفض لاستعمال القوة والسيف ,هو الذي جعل ابن عمر يتخذ من الفتنة المسلحة بين أنصار علي ,وأنصار معاوية ,موقف العزلة والحياد جاعلا شعاره ونهجه هذه الكلمات "من قال :حي على الصلاة أجبته ...ومن قال حي على الفلاح أجبته ...ومن قال حي على قتل أخيك المسلم, واخذ ماله قلت له:لا "..!! ولكنه في عزلته تلك وفي حياده ,ولا يمالئ باطلا ...فلطالما جابه معاوية وهو في أوج سلطانه بتحديات أوجعته وأربكته ...حتى توعده بالقتل, وهو القائل:"لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ".......!!!
وذات يوم ,وقف الحجاج خطيبا ,فقال :"أن ابن الزبير حرف كتاب الله "!فصاح ابن عمر في وجهه :"كذبت ...كذبت ...كذبت.."وسقط في يد الحجاج, وصعقته المفاجأة, وهو الذي يرهبه كل شيء, فمضى يتوعد "ا بن عمر " بشر جزاء...ولوح ابن عمر بذراعه في وجه الحجاج ,وأجابه والناس منبهرون :أن تفعل ماتتوعد به فلا عجب ,فانك سفيه مسلط ..!!ولكنه –رغم قوته وجرأته –ظل إلى أخر أيامه حريصا على الايكون له في الفتنة المسلحة دور ونصيب ,رافضا أن ينحاز فيها لأي فريقا ...يقول أبو العالية البراء :وكنت امشي يوما خلف ابن عمر ,وهو لايشعر بي ,فسمعته يقول لنفسه :واضعين سيوفهم على عواتقهم ,يقتل بعضهم بعضا يقولون :"يا عبد الله بن عمر ,أعط يدك "...؟وكان يتفجر آسى وألما ,حين يرى دماء المسلمين تسيل بأيديهم ...!!!وكان –كما قرانا له في مفتتح حديثنا هذا عنه –"لايوقظ مؤمنا من مرقده "..ولو استطاع أن يمنع القتال, ويصون الدم لفعل, ولكن الإحداث كانت أقوى منه فاعتزلها.ولقد كان قلبه مع علي رضي الله عنه ,بل وكان معه يقينه فيما يبدو ,حتى لقد روي عنه انه قال في أخريات أيامه :"ما أجدني آسى على شيء فأتني من الدنيا ألا إني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية "..!!
على انه حين رفض أن يقاتل مع الإمام علي الذي كان الحق معه, فانه لم يفعل ذلك هربا, ولا التماسا للنجاة...بل رفضا للخلاف كله ,والفتنة كلها ,وتجنبا لقتال لايدور بين مسلم ومشرك ,بل بين مسلمين يأكل بضعهم بعضا....ولقد أوضح ذلك تماما حين سأله نافع فقال:"يا أبا عبد الرحمن, أنت ابن عمر..وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنت وأنت, فما يمنعك من هذا الأمر –يعني نصرة علي _..؟؟فأجابه قائلا:يمنعني أن الله تعالى حرم علي دم المسلم.لقد قال الله عزوجل وقاتلوهم حتى لاتكون فتنه ويكون الدين لله ) ولقد فعلنا وقاتلنا المشركين حتى كان الدين لله ,إما اليوم ,ففيم نقاتل ...؟؟لقد قاتلت, والأوثان تملا الحرم.....من الركن إلى الباب ,حتى نضاها الله من ارض العرب .....
أفأ قاتل اليوم من يقول :لا اله ألا الله "...؟! هكذا كان منطقه ,وكانت حجته ,وكان اقتناعه ....فهو إذن لم يتجنب للقتال ولم يشترك فيه, لا هربا, أو سلبية, بل رفضا لإقرار حرب أهلية بين الأمة المؤمنة, واستنكافا عن يشهر مسلم في وجه مسلم سيفا...ولقد عاش "عبد الله بن عمر "طويلا...وعاصر الأيام التي فتحت فيها أبواب الدنيا على المسلمين ,وفاضت الأموال ,وكثرت المناصب ,واستشرت المطامح والرغبات ...لكن قدرته النفسية الهائلة ,غيرت كيمياء الزمن ..!!!فجعلت عصر الطموح, والمال, والفتن....جعلت هذا العصر بالنسبة إليه, أيام الزهد, وورع, وسلام, وعاشها المثابر الأواب بكل يقينه, ونسكه, وترفعه.....ولم يغلب قط على طبيعته الفاضلة التي صاغها وصقلها الإسلام في أيامه الأولى العظيمة الشاهقة .لقد تغيرت ...طبيعة الحياة ,مع بدء العصر الأموي ,ولم يكن ثمة مفر من ذلك التغير ...وأصبح العصر يومئذ, عصر توسع في كل شيء...توسع لم تستجب إليه مطامح الدولة فحسب ,بل ومطامح الجماعة والإفراد أيضا .ووسط لجج الإغراء ,وجيشان العصر المفتون بمزايا التوسع ,ومغانمه ,ومباهجه –كان"ابن عمر "يعيش مع فاضلة ,في شغل عن ذلك كله بمواصلة تقدمه الروحي العظيم .ولقد أحرز من إغراض حياته الجليلة ما كان يرجو حتى لقد وصفه معاصروه فقالوا:مات "ابن عمر"وهو يمثل "عمر"في الفضل ).بل لقد كان يطيب لهم حين يبهرهم الق فضائله, إن يقارنوا بينه وبين والده العظيم "عمر"..فيقولون :كان"عمر "في زمان له فيه نظراء ,وكان "ابن عمر "في زمان ليس له فيه نظير ..!!!
وهي مبالغة يغفرها استحقاق ابن عمر لها ..أما "عمر "فلا يقارن بمثله احد..وهيهات إن يكون له في كل عصور الزمان نظير...وفي العام الثالث والسبعين للهجرة ...مالت الشمس للمغيب, ورفعت إحدى سفن الأبدية مراسيها, مبحرة إلى العالم الآخر والرفيق الأعلى, حاملة جثمان أخر ممثل لأيام الوحي –في مكة والمدينة –عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين.........

abugassm
09-03-2007, 07:38 PM
شكرا لك

abugassm
09-03-2007, 09:41 PM
يزاك الله خير

goldenboy
09-04-2007, 06:20 PM
جزاك الله خيرا اخوي الغالى ابوجاسم على مرورك الطيب

تقبل تحياتى

goldenboy

ريان أنس الوجود
10-01-2007, 04:19 PM
http://hammss.jeeran.com/hammsscom.gif

goldenboy
10-02-2007, 03:56 PM
http://www.arabsys.net/pic/thanx/37.gif (http://www.arabsys.net/pic/index.php)